الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
164
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
واغتم لهذا الأمر ، فنزلت بالآيات المذكورة في صدر السورة حتى الآية ( 25 ) لمواساة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وقيل : لما نزلت عليه : حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العذاب قام إلى المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته ، فلما فطن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية ، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه مخزوم ، فقال : والله ، لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر وأن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو وما يعلى ، ثم انصرف إلى منزله . فقالت قريش : صبا - والله - الوليد ، والله لتصبأن قريش كلها ، وكان يقال للوليد ريحانة قريش ، فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فانطلق فقعد إلى جانب الوليد حزينا ، فقال له الوليد : ما أراك حزينا يا ابن أخي ، قال : هذه قريش يعيبونك على كبر سنك ، ويزعمون أنك مدحت كلام محمد فقام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه ، فقال : أتزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه يخنق قط ؟ فقالوا : اللهم لا . قال : أتزعمون أنه كاهن ، فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك ؟ قالوا : اللهم لا . قال : أتزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه أنه ينطق بشعر قط ؟ قالوا : اللهم لا . قال : أتزعمون أنه كذاب ، فهل جربتم على شيئا من الكذب ؟ قالوا : اللهم لا ، وكان يسمى الصادق الأمين قبل النبوة من صدقه ، فقالت قريش للوليد : فما هو ؟ ! فتفكر في نفسه ، ثم نظر وعبس ، فقال : ما هو إلا ساحر ، ما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر وما يقوله سحر يؤثر ( 1 ) . * * *
--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 386 ، نقل المفسرون سبب النزول هذا مع الاختلاف البسيط كالقرطبي والمراغي والفخر الرازي في ظلال القرآن والميزان وغير ذلك .